هلوسات ذاكرة
تحت السقف الواطئ لدكانه، ارتسمت في تلافيفي العديد من الذكريات، نُحتت على تفاصيل دماغي التواءات السقف المهلهل بأكثر من صورة، رسمت اللوحات الشتائية من الغبش على ألواح الزجاج الخارجية تضاريس البرد في جسدي.
وفي كل لحظة أستعيد فيها طعم فنجان الشاي المخمّر وأنا تحت المقص في دكان حلاقّي المبجل تعود إلي آلاف الكلمات بثانية واحدة، تعود بي كشريط تسجيل وككسيرات حنين إلى زمن ماضٍ.
كانت أغانيه العراقية التي تصدح دائما كموسيقا خلفية في حنايا قلبي تسوقني كلما سمعتها في ما تلى من الأيام إلى تلك اللحظات التي كنت أسهو فيها متهافتا في طرقات ودروب حيّي الريفي.
كلما ذكرت أحد التفاصيل تبدأ دموعي بالتساقط سريعا دون إرادة، تحاول سقيا ذكريات تلك الأيام، تحاول أن تزيح أوراق الخريف عن لوحة فسيفسائية تتوه قطعها يوماً بعد يوم كتفانين الزمن فيها. تصرخ لوحاتي الفسيفسائية دائما لجعلي في يقظة دائمة لتاريخي الذي أصبحت عابر سبيل عليه. أشرعتي التي أطلقتها للهواء تهرّأت من عواصفي الداخلية، وقدماي أدمنتا المسير حتى في لحظات الركون.
تمتلئ أوردتي بذكريات لها مفعول “العرق” بدماغي بأول جلسة تنادم. تمتلئ بتأثير المخدرات والمنومات التي أراها بعيون غائرة.
أطيل التأمل وأجيل النظر دون بصيرة بما حولي. كمن أنهى التنادم بلحظة ذهول من مكان وجوده، كمن “ذهبت منه السكرة وعادت الفكرة”.
ساعتها ينفض وجهي يداي المجللتان بمطر عيوني على صوت اياس خضر بأغنيته “مجروحين” وترتفع وتيرة أمالي وروحي الثائرة بآلاف الآمال التي راكمتها الحياة فوقي كبركان خامد في أعماق البحار. أخرج دخاني النافث من صدري بأمل أن أعود طفلاً، لكن كل ذلك لا يتركني إلا على رصيف مغطى بثلج جاف كصحراء جسدي الممزق بأعلام ورايات الجنون.
أتوق يوماً إلى أن أعيد تشكيل نفسي كصلصال إلهي كما فعلت آلهة العهود بأدم. وأن أعيد كتابة أساطيري على ألواحي بعهد متفرد وأن أنفث في جسدي قوى الطبيعة. لطالما كان إقبالي على الحياة نارياً كشهاب متوهج لا يعرف الخفوت. أما الآن فأراني ثقباً أسود تتخوف النجوم منه. أحيانا يعزيني ذلك بقوة لا تملكها هذه النجوم، فأنواري كامنة داخلي، تفوق بأي مقارنة آلاف النجوم، باختفائي تحت عباءة من البُعد والتفرد تزيد عزلتي وجنوني.
على قمة أحد الجبال أعيد ترتيب أثاث صومعتي التي أرى منها كبرج عاجي آلاف الأرواح الضائعة التي بدأ هباب المداخن يكلحها بلونه الأسود، بآلاف النفوس التي ارتكنت على جنبات الطرق. بكواكب ادّعت النجومية، وكويكبات تتصادم مع غيرها فقط لتختبر آلامهم، لتنتهي هذه الكويكبات باصطدام واحد.
هنا في هذه اللحظة أستمع لريانا في إحدى أغانيها الماجنة التي تحرك مستنقع ما بقي من بحار طفولتي بشغفٍٍ نحو اكتشافات جديدة.
وهنا وبعصاي التي امسك أرفعها فوق الشمس وفوق رؤوس العالم أجمعين ……….
فأنا أعرف طعم الحرية المرير.
ذكريات زنجي ثائر
أحيانا، وبحالة هروبي المستمرة من الارتباط مع هذا الواقع الذي راكم بنفسي الكثير من المتاعب، أحاول أن أرهق نفسي، أن أتعب نفسي، كي أمنع نفسي من التفكير، من محاولة التماس مع خطوط الواقع، أحيانا يكون ذلك وبالا عليّ، لأنه يمنعني من التمتع بأي نشاط فعلي على أرض الواقع، فالملل ما يلبث أن يتسربل بقوة إلى نوى أفعالي لتكتسب بعدا من الملل والإرهاق الناتج عن ارتباطها مع الواقع، هنا وضمن محاولاتي للهروب أرهق نفسي بالعمل، بالضياع، بالتصنع بالاهتمام بأشياء لا ألبث أن أرميها كما أرمي دُما ًً لطفل صغير، أحيانا وضمن هذا الضياع تمر عليّ لحظات من صفاء لحظي أحاول أن أحفظها ككتابات.
هذا المقطع كتبته وأنا أرتحل (وهذا بكل معنى الكلمة من ارتحال) إلى عملي بحافلة امتلأت بالزنوج، بأناس كان البؤس مصير بداياتهم، ليصبح البؤس اليوم ديمقراطيا ومعمما على جميع الفقراء، كنت أتخيل هذه العبودية التي نحياها هنا بسجن تخلقه وسائل التواصل الحديثة التي لا أرى شخصا في الشارع إلا وقد سهى بها عن جميع شوارد الحياة وعظائمها هنا، هذه الوسائل هي سجننا وعبوديتنا الجديدة، هذا النمط الاستهلاكي هو عبودية من نمط أخر نحياه بلا وعي، يرتسم كل يوم بعمل مستمر لخلق عبيد جدد، تحت ادعاء حرية العمل والاستهلاك ، ونحن بذلك غير مدركين لأي درجة وصلنا بعبوديتنا.
بعد هذا أكتب هنا هذا المقطع الذي أتاني في لحظات صفو أثناء رحلتي إلى عمل موسوم بالعبودية وذلك مع مزيج من حالتي التي كانت ترى الموت في بلادي على قدم وساق :
ذكريات زنجي ثائر
التاريخ يعيد صياغة يديّ
وينحت عليهما صخر القيد
ويتبقى لي رأس محنو
في قعر سفينة
ففي قدري الأحمر
رعت فيه لون عينيّ مصير أقداري
وتداعت آثار أصابعي
محناة بدمٍ
على مرفأي الجديد
وجعلت قفصي الصدري
سجنا جديدا بيد مولاي الأبيض
فهذا السيد لا يرضى
لونا واحدا في حقل مزهو
تلوح فيه تيجان القطن
بيداي السمراوين
وحينها يلعب السياط على ظهري
لعبة كررها القدر
وفي نهايتها
ينقبض السياط في يدي
ويتداعى بعدها
صوتٌ جديد على مسامعي
صوتٌ أصدر لحنا جديدا بصوت الرصاص
وهشم قفصي الصدري
ليعطيني حريتي الثانية
هنا على أرضي التي صار لونها
بلوني
وصار الجميع
يغنون لي في كل ربيع
أيا تموز عدت
وعاد معك
لون الحرية في شقائقك
أعيد ساعتها ذكرياتي من جديد إلى دورة عقاربها الأبدية
لكن بلون جديد
بلادي والدستور
طرحت خلال الفترة الماضية مسودة الدستور الجديد في سوريا، وسيتم التصويت للاستفتاء عليها في السادس والعشرين من الشهر الجاري ضمن استفتاء شعبي.
ينعكس غياب مفهوم الدستور عن غالبية الشعب السوري أو نسبة كبيرة من مثقفيه ما كان لهذا الدستور من غياب واضح في التأثير على مجريات الحياة العامة، فقبل الأحداث كانت مصطلحات من قبيل قانون الطوارئ والدستور وحتى مجمل المصطلحات غائبة عن الوعي الشعبي العام، هذا ما قد يكون ناتجا عن غياب التأثير الواضح للبنية القانونية في سوريا، فالكثير من القوانين فيها ليست سارية بشكل قادر على فرض نفسها على صالح الحياة العامة، مثال ذلك قانون منع التدخين والذي لقي صدى إيجابي واسع، ما لبث أن تم إغلاق الباب رويدا رويدا على هذا القانون سواء من قبل العموم أو الجهات المسؤولة عن تنفيذ هذا القانون، هذا بسبب غياب حالة إدراك المصلحية العامة في القوانين والتي يرتأيها العموم بشكل مفهوم، فالقانون ما لم يمثل إطاره المصلحي العام والخاص بوجود بنية فكرية توعوية لدى أغلب فئات الشعب سيخلق شرخا واسعا في سير العملية القانونية والإجرائية على حياة المجتمع بمختلف نواحيها. هنا أعود لقضية مسودة الدستور المعروضة على الاستفتاء.
يعرف الدستور بأنه «مجموعة القواعد التي تنظم تأسيس السلطة وانتقالها وممارستها، أي تلك التي تتعلق بالتنظيم السياسي». أو أنه «وثيقة أساسية أقرتها سلطة خاصة وفق إجراءات خاصة لتحديد وتنظيم شؤون الحكم وعلاقته مع المواطنين».
تختلف الدساتير وتتعدد أنواعها باختلاف الزاوية التي ينظر منها إلى تلك المجموعة التي تبين نظام الحكم ومظاهره في الدولة.
أو بتعريفه الاصطلاحي هو مجموعة الأحكام أو المبادئ الأساسية التي تبين غاية الدولة ونظام الحكم والشكل الاقتصادي المعتمد فيها، وتقسيم السلطات وتوزيع اختصاصاتها ومسئولياتها وتنظيم العلاقة بين هذه السلطات، كما توضح حدود صلاحيات الحاكم وحقوق المواطنين وواجباتهم وعلاقتهم مع الدولة، أي توضح معنى المواطنة بالنسبة للدولة.
وحسب الفقه القانوني فإن البنيان القانوني للدولة يتألف بشكل أساسي من ثلاثة مستويات، يأتي الدستور في المستوى الأول ثم القوانين التشريعية ثم اللوائح التنفيذية. ولا يجوز لأي قانون من مستوى أدنى أن يخرق القواعد المعتمدة في المستوى الأعلى، أي أن كل مستوى قانوني يستمد شرعيته من المستوى الأعلى منه مرتبةً. أما الدستور بمعناه الحديث فهو يستمد شرعيته من الشعب بشكل مباشر أو غير مباشر.
ضمن هذه التعاريف نجد أن مفهوم الدستور هو السوية العليا لمأسسة الدولة وتوضيح ملامحها، وهو بشكل أخر البنية النظرية للعقد الاجتماعي في الدولة، صيغة التوافق ما بين كل فرد من هذا المجتمع والكائن الضخم المتمثل بالكتلة البشرية كمجتمع، لذلك فهي علاقة تبادلية ما بين الفرد والكيان ككل، يقدم الدستور فيها حقوقا بصيغها العامة ويطالب الفرد بواجبات، على رأسها قبول شروط هذا العقد.
كانت الدساتير قديما (دون وجود بنية تدوينية وواعية لمفهوم الدستور كما هي اليوم) تدخل الملك أو السلطة كطرف في هذا العقد والشعب على الطرف الأخر، يقدم الملك أو الحاكم الحماية، مقابل الطاعة ودفع مستحقات والانصياع لسلطان الحاكم والذي يعتبر هو الفيصل كدستور، أما في الحالة المعاصرة فانتقلت الدساتير لتعتبر الشعب مصدر السلطة والمستفيد الأكبر منها، والقائمون على السلطة هم في خدمة الدستور ومصلحة العموم لذلك فرأي الشعب دائما هو المعيار في مصلحته، كما تم الفصل ما بين السلطات لمنع احتكار السلطة المجملة لتعمل هذه السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية بندية تبادلية وفقا لمصلحة الشعب.
طبعا تعكس الدساتير صيانة لحقوق الفرد باعتباره اللبنة الاساسية في المجتمع فهي تكفل حياته وحريته واستمراريته باعتبار العقد المتمثل بالدستور يعطيه مقابل ما يقدمه هذا الفرد من الانصياع للقوانين.
نعود هنا إلى مسودة الدستور السوري لنناقشها ضمن ما سبق مع مناقشة الاختلافات مع الدستور القديم، يكفل الدستور السوري بشكل عام حقوق الفرد بشكل مماثل للدساتير العالمية ووفقا للبنية العامة للدستور، لكن تغيب عنه تلك الحقوق في بعض مواده، وإن كان بالإمكان غض النظر عنها في هذا المجال، إلا أن الدستور السوري القديم ومسودة الدستور الجديد تعاني من مركزة للسلطة بشكل كبير في يد منصب رئيس الجمهورية، وفيما يلي سنتعرض لهذه المركزية ضمن مواد الدستور، وإن كان هذا الاستعراض سيشتمل على المواد الدالة على هذه المركزية وتراوحها بين الدستورين دون التعرض للاختلافات بشكل عام بين الدستورين والتي شملت نواحي أخرى سوى في بعض النقاط التي تمس العدالة الفردية والمساواة.
تم وضع شروط الترشح التالية لمنصب رئيس الجمهورية والتي تعكس تشددا في إمكانية الترشح، وهي قد لا تعني بشكل كبير تأثيرا على المنصب وإن كنت أرى من زاوية أخرى أن هذا التشدد مطلوب في هذا المنصب لضرورة كون الشخص في هذا المنصب أن يكون على تماس مع الدولة، ولكن أعتقد واعتقادي لا يشكل اثباتا، أن هذه المادة أضيفت لأسباب أخرى.
المادة الرابعة والثمانون
يشترط في المرشح إلى منصب رئيس الجمهورية ما يأتي:
1- أن يكون متماً الأربعين عاماً من عمره.
2- أن يكون متمتعاً بالجنسية العربية السورية بالولادة، من أبوين متمتعين بالجنسية العربية السورية بالولادة.
3- أن يكون متمتعاً بحقوقه المدنية والسياسية، وغير محكوم بجرم شائن ولو رد إليه اعتباره.
4- أن لا يكون متزوجاً من غير سورية.
5- أن يكون مقيماً في الجمهورية العربية السورية لمدة لا تقل عن عشرة سنوات إقامة دائمة متصلة عند تقديم طلب الترشيح.
حاجة المرشحين لرئاسة الجمهورية إلى تأييد من خمسة وثلاثين عضو في مجلس الشعب وهذا ما يحصر الرقم الأعلى لعدد المرشحين بسبعة مرشحين، لكن النقطة وهي ما سنتعرض له هي إمكانية سيطرة رئيس الجمهورية على مجلس الشعب بطريقتين سيرد ذكرهما لاحقا، مما قد يخوله بمنع أي مرشح حقيقي من منافسته.
المادة الخامسة والثمانون
يكون الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية وفق الآتي:
1- يدعو رئيس مجلس الشعب لانتخاب رئيس الجمهورية قبل انتهاء ولاية الرئيس القائم في مدة لا تقل عن ستين يوماً ولا تزيد عن تسعين يوماً.
2- يـقـدم طلب الترشيح إلى المحكمة الدستورية العليا، ويسجل في سجل خاص، وذلك خلال مدة عشرة أيام من تاريخ إعلان الدعوة لانتخاب الرئيس.
3- لا يقبل طلب الترشيح إلا إذا كان طالب الترشيح حاصلاً على تأييد خطي لترشيحه من خمسة وثلاثين عضواً على الأقل من أعضاء مجلس الشعب، ولا يجوز لعضو مجلس الشعب أن يمنح تأييده إلا لمرشح واحد.
4- يتم فحص طلبات الترشيح من قبل المحكمة الدستورية العليا، ويبت فيها خلال خمسة أيام تلي المدة المحددة لتسجيلها.
5- إذا لم تتوافر الشروط المطلوبة للترشيح سوى بمرشح واحد خلال المهلة المحددة، يتوجب على رئيس مجلس الشعب الدعوة إلى فتح باب الترشيح مجدداً وفق الشروط ذاتها.
هذه المادة التالية تعتبر كارثية، فهي تتيح لرئاسة الجمهورية بإنهاء الحياة التشريعية في حال عدم التوافق، وإمكانية السيطرة على البنية التشريعية والرقابية لها وتعكس هذه المادة سيطرة منصب الرئيس على السلطات بشكل شبه مطلق، وهذا كارثي في مفهوم حرية واستقلالية السلطة التشريعية.
المادة الحادية عشرة بعد المئة
1- لرئيس الجمهورية أن يقرر حل مجلس الشعب بقرار معلل يصدر عنه.
2- تجري الانتخابات لمجلس جديد خلال ستين يوماً من تاريخ الحل.
3- لا يجوز حل مجلس الشعب أكثر من مرة لسبب واحد.
قد يقول قائل أن المادة حصرت عدد مرات حل المجلس بمرة واحدة، لكن إمكانية فرض الرئيس لحالة الطوارئ كما في المادة مئة وواحد “يعلن رئيس الجمهورية حالة الطوارئ ويلغيها على الوجه المبين في القانون.” وسيطرته على سلطة التشريع ستتيح له إمكانية تغيير الدستور بأي طريقة يرتأيها وذلك وفقا للمادة الثالثة عشر بعد المئة:
1- يتولى رئيس الجمهورية سلطة التشريع خارج دورات انعقاد مجلس الشعب، أو أثناء انعقادها إذا استدعت الضرورة القصوى ذلك، أو خلال الفترة التي يكون فيها المجلس منحلاً.
2- تعرض هذه التشريعات على المجلس خلال خمسة عشر يوماً من انعقاد أول جلسة له.
3- للمجلس الحق في إلغاء هذه التشريعات أو تعديلها بقانون، وذلك بأكثرية ثلثي أعضائه المسجلين لحضور الجلسة، على أن لا تقل عن أكثرية أعضائه المطلقة، دون أن يكون لهذا التعديل أو الإلغاء أثر رجعي، وإذا لم يُلغها المجلس أو يُعدلها عُدت مُقرة حكماً.
وحتى في حال عدم قيامه بكل ما سبق فبإمكانه التحكم بعضوية أعضاء مجلس الشعب بطريقة أخرى سأذكرها لاحقا عن طريق المحكمة الدستورية والتي أعطيت لها صلاحيات معينة لذلك.
في ما سبق يتبدى محاولة جمع السلطة التشريعية مع السلطة التنفيذية الممثلة برئيس الجمهورية وهنا حتى اللحظة تم إعطاء منصب الرئيس صلاحيات تتجاوز ما هو مسموح ومنطقي وفقا لمنطقية الحكم الدستوري.
المادة الخامسة والعشرون بعد المئة
1- تُعد الوزارة بحكم المستقيلة في الحالات الآتية:
أ- عند انتهاء ولاية رئيس الجمهورية.
ب- عند انتخاب مجلس شعب جديد.
ج- إذا قدم أغلبية الوزراء استقالاتهم.
2- تستمر الوزارة بتسيير الأعمال ريثما يصدر مرسوم بتسمية الوزارة الجديدة.
سؤالي عن سبب ربط استقالة الوزارة بشغور منصب رئيس الجمهورية، فالوزارة تكون ناتجة وصادرة عن ممثليها بمجلس الشعب وليست مرتبطة بتشكيلها برئيس الجمهورية.
في المادة التالية نجد كذلك سيطرة رئيس الجمهورية على السلطة القضائية وبذلك يكون قد أصبح مطلق السلطة في جميع نواحي الحكم:
المادة الثالثة والثلاثون بعد المئة
1- يَرأس مجلس القضاء الأعلى رئيس الجمهورية، ويُبين القانون طريقة تشكيله واختصاصاته وقواعد سير العمل فيه.
2- يكفل مجلس القضاء الأعلى توفير الضمانات اللازمة لحماية استقلال القضاء.
وفي المادة الحادية والأربعون بعد المئة والسادسة والأربعون بعد المئة نجد الطريقة التي بإمكان الرئيس عن طريق تحكمه بتعيين أعضاء المحكمة الدستورية والتي تم في مشروع الدستور الجديد إعطا ئها صلاحيات البت بعد النظر والتحقيق في الطعون الخاصة بصحة انتخاب الرئيس وأعضاء مجلس الشعب، بعد أن كانت سابقا مسؤولة فقط عن النظر أي إجراء عملية التحقيق في هذه الطعون، وكانت صلاحية البت بصحة انتخاب أعضاء مجلس الشعب محصورة بمجلس الشعب والذي تم تجريده من هذه الصلاحية، وبالتالي قد يحدث في حال حصول تزوير في النتائج الانتخابية لمجلس الشعب (لمصلحة جانب منصب الرئيس فرضا) سيستطيع عن طريق تحكمه بأعضاء المحكمة الدستورية، ليس فقط التحقيق في الطعون المقدمة ضد هذا التزوير، ولكن أيضا البت فيها ولربما أيضا إغلاق ملفاتها دون أدنى جهد. وكذلك بسيطرته على أعضاء مجلس الشعب سيمنع مرشحي الرئاسة القادرين على المنافسة من الحصول على الحد الأدنى من العدد المطلوب لترشيحهم من قبل أعضاء مجلس الشعب وهو خمسة وثلاثين عضوا.
المادة الحادية والأربعون بعد المئة
تؤلف المحكمة الدستورية العليا من سبعة أعضاء على الأقل يكون أحدهم رئيساً يسميهم رئيس الجمهورية بمرسوم.
المادة السادسة والأربعون بعد المئة
تختص المحكمة الدستورية العليا بما يأتي:
1- الرقابة على دستورية القوانين والمراسيم التشريعية واللوائح والأنظمة.
2- إبداء الرأي بناء على طلب من رئيس الجمهورية في دستورية مشروعات القوانين والمراسيم التشريعية وقانونية مشروعات المراسيم.
3- الإشراف على انتخاب رئيس الجمهورية وتنظيم الإجراءات الخاصة بذلك.
4- النظر في الطعون الخاصة بصحة انتخاب رئيس الجمهورية وأعضاء مجلس الشعب والبت فيها.
5- محاكمة رئيس الجمهورية في حالة الخيانة العظمى.
6- يبين القانون اختصاصاتها الأخرى
ورغم كل هذه المواد أضيفت مادة ضامنة وأساسية لحماية منصب الرئيس من المحاسبة بأي شكل تاليا:
المادة السابعة عشرة بعد المئة
رئيس الجمهورية غير مسؤول عن الأعمال التي يقوم بها في مباشرة مهامه إلا في حالة الخيانة العظمى، ويكون طلب اتهامه بقرار من مجلس الشعب بتصويت علني وبأغلبية ثلثي أعضاء المجلس بجلسة خاصة سرية، وذلك بناء على اقتراح ثلث أعضاء المجلس على الأقل وتجري محاكمته أمام المحكمة الدستورية العليا.
طبعا ومن المادة الخامسة والخمسون بعد المئة نجد أن القانون لن يطبق بأثر رجعي، أي أنه يمكن للرئيس الحالي من الترشح لدورتين تاليتين:
تنتهي مدة ولاية رئيس الجمهورية الحالي بانقضاء سبع سنوات ميلادية من تاريخ أدائه القسم الدستوري رئيساً للجمهورية، وله حق الترشح مجدداً لمنصب رئيس الجمهورية وتسري عليه أحكام المادة / 88 / من هذا الدستور اعتباراً من الانتخابات الرئاسية القادمة.
مما تقدم نجد أن هذا الدستور أتاح لمنصب رئيس الجمهورية صلاحيات مطلقة تمكنه من فعل ما يشاء وبشكل دستوري، فهو حتى في أسوأ الحالات يتاح له حل مجلس الشعب وتشكيل البنى التشريعية والتنفيذية والقضائية بما يتوافق مع مصالح منصب الرئيس.
طبعا هذا لا يعني اتهاما مباشرا للسلطة في هذه العملية، وحتى بافتراض حسن النية وأن الانتخابات الرئاسية القادمة قادت إلى فوز مرشح من صفوف المعارضة بمنصب الرئاسة (على فرض الديمقراطية والشفافية من السلطة الحالية في الانتخابات) فهو سيتمكن كذلك من ممارسة جميع هذه السلطات بطريقة قد تكون تسلطية، لذلك أيا يكن الرئيس القادم فذلك لا يعني تنازلا له عن حقوقنا التي تضرب بها مسودة هذا الدستور بعرض الحائط.
بذلك نكون قد وضحنا الطريقة التي تعكس سيطرة منصب الرئيس على السلطات كافة، وتاليا سنذكر كيفية تجاهل وعدم بسط الحقوق بالتساوي على جميع أفراد المجتمع السوري المتنوع، وهي المادة الثالثة التي نالت نصيبها من الشهرة والتي أجد أن السلطة الحالية أبقتها لتبعد النظر عن باقي مواد الدستور، مع ظني أن كون دين رئيس الجمهورية هو الإسلام محاولة فارغة لزيادة الضغط الطائفي بالموضوع، فكون الرئيس مسلما هذا ما تفرضه حقيقة الشارع التي لن تمكن الوصول لمنصب الرئيس لفرد من ديانات أو طوائف أخرى بشكل عام. وهذا لا يعني كارثة طالما أن منصب الرئيس لن يتغول ويصادر حقوق الأقليات والتي يجب توضيح حقوقها ضمن الدستور ولكن مع تجاهل حقوق الأقليات القومية والدينية ضمن البلاد في مسودة هذا الدستور يأتي ضمن محاولة السلطة على أن تجعل نفسها دائما الضامن لهذه الأقليات بالوصول إلى التمثيل المناسب للسلطة عن طريق تحكمها بآلية الانتخاب ووصول أعضاء مجلس الشعب مثلا من هذه الأقليات وفي المناصب الأخرى، فهذا التجاهل الحالي في مسودة الدستور لهذه الأقليات يعني استمرارية لهذا النهج بجعل ضمانات الأقليات متمثلة بشخص الحكم الفردي في السلطة، ولكن للأسف فحتى الأكثرية بالبلاد لم تول هماً لهذه الأقليات واضعة إياها في خانة الظلم والاضطهاد سابقا وفي خانة المواجهة والاصطفاف مع النظام بعد أن نالت بعضا من حقوقها ضمن إطار الحكم الفردي تاليا، هذه المشكلة مستمرة حتى الآن وللأسف ما زالت تزيد أصداؤها الشرخ في المجتمع السوري.
وكذلك يغيب ذكر أي مادة لحقوق الأقليات بسوريا وعلى رأسها الأقلية الكردية بزيادة تعميق هذه الأزمة، فلا يوجد ضمن الدستور سوى مادة واحدة وتذكر على عجالة وخجل حقوق التنوع الثقافي والذي يجب أن يكون حاميا لهم ولبنيتهم القومية في مجتمع يتقبل التعددية الاثنية والدينية.
المادة التاسعة: يكفل الدستور حماية التنوع الثقافي للمجتمع السوري بجميع مكوناته وتعدد روافده، باعتباره تراثاً وطنياً يعزز الوحدة الوطنية في إطار وحدة أراضي الجمهورية العربية السورية.
طبعا قد يرى البعض أن هذا الإطار النظري مستحيل البلوغ ولكن ذلك لا يعني التغاضي عن مشكلاتنا على أرض الواقع ومحاولة التعامل معها بدلا من تجاهلها أساسا.
برأيي أنه من الأسلم رفع قضية وضع دستور جديد إلى مجلس الشعب الذي سيتم انتخابه قريبا، فيكون جمعية تأسيسية تكلف بوضع دستور جديد يمثل البنية السورية على أساس حصول الموافقة شبه التامة عليه وليس المطلقة (أي بنسبة 50%+1) لضمان الحقوق بأقصى ما يمكن أن يفعله التطبيق العملي للإطار النظري الممثل بالدستور.
حتى برأيي أن الاستعانة بالبنية النظرية والفكرية للاتفاقيات العالمية مثل حقوق الانسان وحقوق المرأة والطفل وتضمينها ضمن الدستور الجديد قادر على إعطاء دفعة هامة لسوريا على الصعيد العالمي بتشكيلها نموذجا فريدا في وضع هذا الدستور.
طبعا مع كل ذلك فأنا لا أريد التأثير على أحد، هناك صناديق الاستفتاء التي ستكون خيار الحسم بالنسبة لهذا الدستور وأنا أحث الجميع على المشاركة في هذا الاستفتاء. فقد يرى فيه البعض ضرورة وجود منصب قادرعلى الحصول على الحرية والقوة الضرورية لفرض وبسط سلطة القانون، وهذا رأي لا أجادل فيه.
لذلك أتمنى الخير والاستمرارية لسوريا بلدا فوق جميع المحن.
التصويت على الدستور السوري الجديد
يحين بعد فترة، في السادس والعشرين من هذا الشهر موعد الاستفتاء على الدستور الجديد بسوريا، وهذا الدستور برغم جدليته والمواد التي فيه والتي تثير الكثير من الإشكالات ووجهات النظر حول الموضوع يعيد فتح موضوع أهمية المشاركة في الاستفتاء عليه، وقد أثارني مؤخرا اقتناع البعض بعدم جدوى المشاركة بالاستفتاء على هذا الدستور، بسبب كون النتيجة معروفة مسبقا والتي اعتدنا عليها بالـ 99.99%، طبعا انا لا أريد أن أحكم على أي شخص بحكم موقفه من الاستفتاء، لكن أريد أن أعرض وجهة نظري بالموضوع، والذي يأخذ حول موضوع التصويت ثلاثة مناحي:
المنحى الأول وهو أن هناك من قرر المشاركة بالاستفتاء، سواء كان الاختيار سلبا أو إيجابا، وهذا المنحى لا تعليق لي عليه بأي شكل.
المنحى الثاني وهو أن هناك من قرر المقاطعة وعدم المشاركة لثقته بأنه ليست هناك فائدة ترجى من المشاركة، وبرأيي هذه السلبية لن تكون حلا، فهي ستظهر الرافض لهذا الدستور بموقع السلبي غير القادر على اتخاذ رد فعل، برأيي المشاركة هي سبيل للغلبة وبأسلوب الأخر، يعني أن تنتصر عليه وفق قواعده، وحتى إن لم تكن على ثقة بنزاهة الانتخابات وهذا ما يقودنا إلى النقطة الأخيرة،
المنحى الثالث: في حال كنت على شك بحصول تلاعب أو أخطاء بنتيجة الاستفتاء وكنت موافقا أو رافضا مثلا للدستور، فهذا لا يعني أن لا تشارك بالاستفتاء، لأن عدم مشاركتك فيه تعني تنازلك عن حقك لصالح من قاموا بالمشاركة، وهذا ما يعني أنك ستقوم برفع نسبة الموافقة والرفض بأن معا ولكن ستكون الزيادة أكبر للطرف المتقدم، يعني وهذا ما سأشرحه بالمثال التالي:
تقتضي عملية الاستفتاء على الدستور الحصول على موافقة الثلثين يعني 66.66% تقريبا، لنفرض أن هناك خمسة أشخاص سيشتركون بعملية الاستفتاء كعدد إجمالي، إذا فكل واحد يمثل نسبة 20 % من التصويت، لكن فرضا قرر أحدهم عدم المشاركة بغض النظر عن رأيه، وبالتالي سيصبح عدد المقترعين 4 وسيمثل كل صوت حينها نسبة 25 % من التصويت، يعني إذا وافق ثلاثة أعضاء سيحصلون على نسبة 75% وهي كافية لإقرار الدستور، لكن لو كان التصويت حصل من جميع الناخبين الخمسة ستكون نسبة هؤلاء الثلاثة هي 60% وبالتالي لن يقر الدستور، وقد يقول قائل أنني أفترض أن الناخب الخامس هنا افترضته أنه صوت بالنفي، لذلك سأقول أن هناك حالة ثالثة للتصويت وهي الحيادية أو عدم الموافقة على مجمل العملية لكن مع عدم التنازل عن حقي بالاستفتاء.
هناك حالة تسمى حالة الورقة البيضاء، وهي أن تقوم بوضع ورقة بيضاء خالية من أيه إجابة، وهي تعني أنك لم تتخل عن حقك بالتصويت أو الاستفتاء لكنك لست موافقا على مجمل العملية، نعود للمثال السابق، لو فرضنا أن التصويت تم من قبل الأفراد الخمسة، ثلاثة بالموافقة وواحد بالرفض وواحد بورقة بيضاء، ستكون النتيجة حينها، 60% من المستفتين موافق، 20% غير موافق، و20% ورقة بيضاء أو حتى لاغية. وبذلك تكون حين أدخلت الورقة البيضاء قد منعت حصول الدستور على الأغلبية. حيث لو أن الاستفتاء قد تم بمشاركة أربعة أفراد فقط، ثلاثة بالموافقة وواحد بعدم الموافقة ستكون النتيجة، 75% من المستفتين موافق، 25% غير موافق. وبالتالي في حال عدم المشاركة ستكون قد عملت على زيادة النسبة بشكل أكبر للموافقين في هذه الحالة.
نهايةَ عدم مشاركتك يعني بالمجمل تنازلك عن حقك في الاستفتاء لهؤلاء الذين قاموا بالمشاركة، مما قد يغير النتيجة لصالح طرف على الأخر.
طبعا مع العدد الكبير للمستفتين ستكون النسبة المقابلة لكل شخص ضئيلة، وهذا ما يقتضي المشاركة من الجميع لجعل الاستفتاء يصل إلى النتيجة الحقيقية والتي في حال الشك بوجود التلاعب بها يمكن للإدعاء أن يكون أقوى في حال مشاركتنا بدلا من سلبيتنا التي ستمكن الطرف المسؤول من الحصول على دستور وللأسف بشكل قانوني فيما لو لم نشارك.
في تدوينتي التالية سأتحدث عن مآخذي على الدستور والتي أراها وفقا لوجه نظري وباعتباري سوريا معنيا بها يجب التحدث عنها.





